وطنية

تعرف على الباهي الأدغنم : أبرز من ساهم في تحويل الاستقلال الداخلي إلى استقلال تام

 

 

 

ولد السياسي الباهي الأدغم في حي باب الأقواس من ربض باب سويقة بالعاصمة، يوم 13 جانفي 1913. وبعد أن حفظ نصيبا من القرآن الكريم في كتّاب الحي وأتمّ دراسته الابتدائية، نجح في مناظرة الدخول إلى المدرسة الصّادقية التي التحق بها في مستهلّ السنة الدراسية 1927– 1928. وقد واصل بها دراسته إلى أن أحرز دبلوم ختم الدروس الثانوية في آخر سنة 1933. واسترعى انتباه أساتذته وأقرانه بما كان يقوم به من نشاط سياسي في مثل تلك السنّ المبكّرة. ولا شكّ في أنّ ذلك راجع إلى تأثره بوسطه العائلي إذ كان دكّان والده الكائن بحيّ باب سعدون ملتقى عدد كثير من أتباع الحزب الحرّ الدستوري التّونسي ومناضليه الذين كانوا يطالعون فيه الصحف الوطنية ويعلّقون على الأحداث التي كانت بلادهم مسرحا لها في النصف الثاني من العشرينات. وقد تميّزت تلك الفترة الحاسمة بسياسة الدهاء التي كان ينتهجها المقيم العام لوسيان سان، وبركود الحزب إثر هجرة زعيمه الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى المشرق منذ شهر جويلية 1923 وإبعاد عدد من أنشط مناضليه إلى الخارج.

 

وأصبح الشابّ الباهي الأدغم ملمّا أكثر فأكثر بالوضع السياسي في البلاد بعد التحاقه بالمعهد الصادقي واتّصاله بزملائه الذين سبقوه في الدّراسة. والملاحظ أنّ كثيرا من قدماء الصادقيين انضمّوا إلى الحزب الدستوري منذ إنشائه في سنة 1920، أمثال الحبيب جاء وحده والحبيب بورقيبة والشاذلي الخلادي وسليمان بن سليمان. لكن سرعان ما خيّب قادة هذا الحزب آمالهم، إذ كبحوا من جماحهم ولم يفسحوا لهم المجال لأخذ نصيبهم من الكفاح الوطني، لأنّهم كانوا يرون أنّ من واجب تلامذة المدارس التفرّغ لدراستهم وعدم الاهتمام بالسّياسة. على أنّ عودة الصحفي الدستوري الشاذلي خير اللّه من فرنسا في مطلع سنة 1928 أسهمت في تنشيط الحياة السّياسية في البلاد، لا سيما بعد إنهاء مهامّ المقيم العام لوسيان سان في سنة 1929. وبعد مدّة قصيرة أصدر خير اللّه في 26 مارس 1930 جريدة "صوت التونسي" "La voix du Tunisien" الناطقة بالفرنسية، والبلاد تتأهّب لاحتضان المؤتمر الافخارستي المسيحي المقرّر عقده في تونس خلال شهر ماي 1930.

 

اضطرّ الباهي الأدغم بعد حصوله على دبلوم الصّادقية سنة 1933, إلى الانقطاع عن الدّراسة لأنّه أصبح عائل أسرته الوحيد بعد مرض والده ثمّ وفاته. وقد انخرط سنة 1934 في سلك الوظيفة العمومية بصفة كاتبٍ مؤقّتٍ بإدارة الداخلية التي كان على رأسها عهدئذ المؤرخ الفرنسي شارل سوماني. واستمرّ في هذه الخطّة إلى أن نجح في آخر سنة 1939 في مناظرة المنشئين بإدارة المال. فكان من التونسيّين القلائل الذين نجحوا في هذه المناظرة، نظرا إلى ما اكتسبه من زاد معرفي في اللّغتين العربية والفرنسية، بفضل تكوينه بالصّادقية ومطالعاته الخاصّة. على أنّ التحاقه بالوظيفة العموميّة لم يمنعه من مواصلة الاهتمام بالشؤون السّياسيّة والعناية بالقضية الوطنية. فقد استبشر بانعقاد مؤتمر قصر هلال وانبعاث الحزب الدستوري الجديد الذي أعاد الأمل إلى نفوس الوطنيّين بفضل برنامجه المرتكز على العمل المباشر والاتّصال بالجماهير الشعبية لاعدادها للكفاح من أجل تحرير الوطن.

 

لكن نضاله الفعليّ لم ينطلق إلا إ ثر الافراج عن الزّعماء في مارس 1936 وعودة الحزب إلى سالف نشاطه. وانضمّ إلى الشبّان الذين رجعوا من فرنسا منذ عهد قريب بعد أن أتمّوا دراستهم العليا، أمثال سليمان بن سليمان والمنجي سليم وعلي البلهوان والهادي نويرة وصلاح الدين بوشوشة. وبرز بالخصوص في المؤتمر الثاني الذي عقده الحزب في مقرّه بنهج التريبونال في آخر أكتوبر 1937. إذ ساند من أوّل وهلة النزعة الاستقلالية التي مثلها في المؤتمر عدد كثير من المناضلين، وأسهم في ترجيح كفّة الشقّ المتصلبّ في الديوان السياسي. وإثر اندلاع حوادث 9 أفريل 1938 وإلقاء القبض على قادة الحزب وأبرز مناضليه، تزعّم الباهي الأدغم حركة المقاومة السريّة إلى أن ألقي عليه القبض في 11 ماي 1938. ولما أفرج عنه في شهر أوت 1938 استأنف نشاطه على رأس الديوان السياسي الخامس السرّي، بالتعاون مع الدكتور الحبيب ثامر والهادي السعيدي والهادي خفشّة وصلاح الدين بوشوشة. وتحولت المقاومة من تنظيم المظاهرات وتوزيع المناشير إلى عمليّات مسلّحة يقوم بها أعضاء لجنة المقاومة.وفي نوفمبر 1939 ألقي القبض على أعضاء الديوان السياسي الخامس ولجنة المقاومة، وأحيلوا على المحكمة العسكرية التي أصدرت ضدّهم أحكاما قاسية. وكان نصيب الباهي الأدغم الأشغال الشاقة لمدّة 15 عاما. ونقل المحكوم عليهم في 14 فيفري 1940 إلى الجزائر حيث زجّ بهم في سجن حراش حقبة من الزمن ثم حولوا إلى سجن لمباز السّيء الذكر وكان عددهم 43 سجينا، لم يرجع منهم إلى تونس في ماي 1944 سوى 23 مناضلا منهم الباهي الأدغم، وذلك بمقتضى قرار العفو الذي أصدره الجنرال ديغول. أماّ الاخرون فقد لقوا حتفهم في السجن.

 

 

 

أس. ع

الباهي-لدغم تاريخ تونس قادة

فيديو